الشوكاني
395
فتح القدير
قوله ( إذا السماء انفطرت ) قال الواحدي : قال المفسرون : انفطارها انشقاقها كقوله - ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا - والفطر : الشق ، يقال فطرته فانفطر ، ومنه فطرناب البعير : إذا طلع ، قيل والمراد أنها انفطرت هنا لنزول الملائكة منها ، وقيل انفطرت لهيبة الله ( وإذا الكواكب انتثرت ) أي تساقطت متفرقة : يقال نثرت الشئ أنثره نثرا ( وإذا البحار فجرت ) أي فجر بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا ، واختلط العذب منها بالمالح . وقال الحسن : معنى فجرت ذهب ماؤها ويبست ، وهذه الأشياء بين يدي الساعة كما تقدم في السورة التي قبل هذه ( وإذا القبور بعثرت ) أي قلب ترابها وأخرج الموتى الذين هم فيها ، يقال بعثر يبعثر بعثرة : إذا قلب التراب ، ويقال بعثر المتاع : قلبه ظهرا لبطن ، وبعثرت الحوض وبحثرته : إذا هدمته وجعلت أعلاه أسفله ، قال الفراء : بعثرت أخرج ما في بطنها من الذهب والفضة ، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها ، ثم ذكر سبحانه الجواب عما تقدم فقال : ( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) والمعنى : أنها علمته عند نشر الصحف لا عند البعث ، لأنه وقت واحد من عند البعث إلى عند مصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، والكلام في إفراد نفس هنا كما تقدم في السورة الأولى في قوله - علمت نفس ما أحضرت - ومعنى ( ما قدمت وأخرت ) ما قدمت من عمل خير أو شر ، وما أخرت من سنة حسنة أو سيئة ، لأن لها أجر ما سنته من السنن الحسنة وأجر من عمل بها ، وعليها وزر ما سنته من السنن السيئة ووزر من عمل بها . وقال قتادة : ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة ، وقيل ما قدم من فرض وأخر من فرض ، وقيل أول عمله وآخره ، وقيل إن النفس تعلم عند البعث بما قدمت وأخرت علما إجماليا ، لأن المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة ، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند نشر الصحف ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) هذا خطاب الكفار : أي ما الذي غرك وخدعك حتى كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في الدنيا بإكمال خلقك وحواسك ، وجعلك عاقلا فاهما ، ورزقك وأنعم عليك بنعمه التي لا تقدر على جحد شئ منها . قال قتادة : غره شيطانه المسلط عليه . وقال الحسن : غره شيطانه الخبيث ، وقيل حمقه وجهله ، وقيل غره عفو الله إذا لم يعاجله بالعقوبة أول مرة . كذا قال مقاتل ( الذي خلقك فسواك فعدلك ) أي خلقك من نطفة ولم تك شيئا ، فسواك رجلا تسمع وتبصر وتعقل ، فعدلك : جعلك معتدلا . قال عطاء : جعلك قائما معتدلا حسن الصورة . وقال مقاتل : عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين ، والمعنى : عدل بين ما خلق لك من الأعضاء . قرأ الجمهور " فعدلك " مشددا ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف ، واختار أبو حاتم وأبو عبيد القراءة الأولى . قال الفراء وأبو عبيد : يدل عليها قوله - لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم - ومعنى القراءة الأولى : أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت فيها ، ومعنى القراءة الثانية : أنه صرفه وأماله إلى أي صورة شاء ، إما حسنا وإما قبيحا ، وإما طويلا وإما قصيرا ( في أي صورة ما شاء ركبك ) في أي صورة متعلق بركبك ، وما مزيدة ، وشاء صفة لصورة : أي ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة ، وتكون هذه الجملة كالبيان لقوله ( فعدلك ) والتقدير : فعدلك ركبك في أي صورة شاءها ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال : أي ركبك حاصلا في أي صورة . ونقل أبو حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بعدلك ، واعترض عليه بأن أي لها صدر الكلام فلا يعمل فيها ما قبلها . وقال مقاتل والكلبي ومجاهد : في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم . وقال مكحول : إن شاء ذكر وإن شاء أنثى ، وقوله ( كلا ) للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى الكفر به والمعاصي له ، ويجوز أن يكون بمعنى حقا ، وقوله ( بل تكذبون بالدين ) إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل : بعد الردع وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل